صديق الحسيني القنوجي البخاري
222
فتح البيان في مقاصد القرآن
بوضوء واحد ، وفي الباب أحاديث ، والتقدير إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم على غير طهر ، وهذا أحد اختصارات القرآن وهو كثير جدا . وفروض الوضوء في هذه الآية أربعة : الأول قوله : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة وهو عضو مشتمل على أعضاء وله طول وعرض ، فحدّه في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللّحيين ، وفي العرض من الأذن إلى الأذن ، وقد ورد الدليل بتخليل اللحية ، واختلف العلماء في غسل ما استرسل ، والكلام في ذلك مبسوط في مواطنه . وقد اختلف أهل العلم أيضا هل يعتبر في المغسل الدلك باليد أم يكفي إمرار الماء والخلاف في ذلك معروف ، والمرجع اللغة العربية فإن ثبت فيها أن الدلك داخل في مسمى الغسل كان معتبرا وإلا فلا . قال في شمس العلوم : غسل الشيء غسلا إذا أجرى عليه الماء ودلكه انتهى . وأما المضمضة والاستنشاق فإذا لم يكن لفظ الوجه يشمل باطن الفم والأنف فقد ثبت غسلهما بالسنة الصحيحة ، والخلاف في الوجوب وعدمه معروف ، وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في مؤلفاته . وقد استدل الشافعي على وجوب النية عند غسل الوجه بهذه الآية وبقوله : إنما الأعمال بالنيات لأن الوضوء مأمور به وكل مأمور به يجب أن يكون منويّا ، ويدل له قوله تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ البينة : 5 ] والإخلاص عبارة عن النية الصالحة . واستدل أبو حنيفة بها لعدم وجوب النية فيه لأن اللّه أوجب غسل الأربعة في هذه الآية ولم يجب النية فيها فإيجابها زيادة على النص وهي نسخ ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس . والجواب أن إيجابها بدلالة القرآن كما تقدم ، والجواب عن الزيادة والنسخ قد ذكرناه في حصول المأمول فليرجع إليه . والفرض الثاني قوله : وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ إلى للغاية وأما كون ما بعدها يدخل فيما قبلها فمحل خلاف ، وقد ذهب سيبويه وجماعة إلى أن ما بعدها إن كان من نوع ما قبلها دخل وإلا فلا ، ويعزى لأبي العباس ، وقيل إنها بمعنى ( مع ) وذهب قوم إلى أنها تفيد الغاية مطلقا ، وأما الدخول وعدمه فأمر يدور مع الدليل . وقيل إن ما بعدها لا يدخل فيما قبلها ، قال سليمان الجمل وهو الأصح عند النحاة انتهى ، وهذه الأقوال دلائلها في كتاب شرح التسهيل .